الترويح الرياضي

الاهتمام بعلوم وتطبيقات الترويح الرياضي
 
البوابةالرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 المنظور الحضاري الاسلامي لوقت الفراغ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نايف الريشي



عدد الرسائل : 26
تاريخ التسجيل : 11/03/2012

مُساهمةموضوع: المنظور الحضاري الاسلامي لوقت الفراغ    الخميس مايو 24, 2012 10:09 am

المنظور الحضاري الإسلامي لوقت الفراغ


من المسلمات الأساسية أن بيئة الإنسان يحدها بعدان، الأول هو البعد المكاني والثاني هو البعد الزماني، ويتفاعل الإنسان بالضرورة مع كل منهما، متأثرا بالعوامل والظروف البيئية حتى إنها تترك بصماتها على شخصيته

وإذا كان وسيط الإنسان لتحقيق ذلك هو التفاعل بين «الفكر» و«العمل» الذي به يغير المكان أو البيئة الكونية، وبه أيضا يمكن أن يتحكم في إطار الزمن، وهذا هو الذي تتمايز به الحضارات في قدرة شعوبها على تغيير البيئة، واستثمار الزمن بالفكر والعمل، وإذا كان العمل والفراغ وجهين لعملة الزمن الواحدة، وإذا كان العمل ـ في الوقت نفسه ـ حقا وواجبا، لأنه لا تستمر الحياة الا به في جميع جوانبها التي يتحقق بها العمران أو التنمية المستدامة، فإن وقت الفراغ لا يعني عدم القيام بأي عمل أو نشاط، بل هو عمل اختلفت نوعيته عما يقوم به الإنسان خلال العمل أو الشغل الذي لا غنى عنه لاكتساب رزقه.
إن المقصود من الفراغ هو التحرر من العمل، ولكن ذلك يمكن من خلاله إشباع حاجات حيوية ونفسية واجتماعية قد لا يستطيع أن يحققها العمل عادة.
وتعريف الفراغ في قاموس علم الاجتماع هو «الوقت الفائض بعد خصم الوقت المخصص للعمل والنوم والضرورات الأخرى من ساعات اليوم الأربع والعشرين».
إن ثمّ خلطا واضحا بين مفهوم الفراغ كوقت ومعنى الترويح الذي هو اقرب إلى معناه الحقيقي، فالترويح إحدى ضرورات الاستمرار في العمل، وليس هروباً من أعباء العمل اليومي فقط، وقد يكون الفراغ عاملاً من عوامل تفكك الشخصية وانحلالها، أو عاملاً من عوامل تكاملها، خصوصاً في المجتمعات الصناعية الحديثة التي اصبح فيها عامل الوقت أحد سياط الحضارة المدنية على ظهر الإنسان الذي أرادته هذه الحضارة أن يكون عاملاً منتجاً ليس إلا. ولا يخلو وعاء الفراغ الترويحي في أي مجتمع من المجتمعات مهما كانت درجة حضارته من منظومة القيم التي يحتكم اليها، ومن ثمّ ترتبط العلاقة بين ممارسة النشاطات الترويحية أو نشاطات الوقت الحر ومنظومة القيم المتعارف عليها. وتترسخ هذه العلاقة أكثر كلما كان المجتمع اكثر اقتراباً من الصناعة والتكنولوجيا الحديثة، بينما تكاد تنعدم تماماً في البلدان المتخلفة.
وما دام وقت الفراغ يرتبط بمنظومة القيم السائدة في المجتمع، فإنه باستقراء تاريخ الأديان نجد أن جذور هذه القيم ونشأتها قد ارتبطت بالضرورة بتعاليمها وروحها، خاصة في الأديان السماوية والتراث الإنساني الأخلاقي على مدى تاريخ الحضارات، ولذلك لاحظنا أن منحنى الارتقاء الحضاري أو انخفاضه قد ارتبط في كل الحضارات بمدى التمسك والالتزام بالقيم الحاكمة التي بررت قيام أي حضارة.
ولا نذهب بعيدا، فعندما وهن التمسك بالقيم الأخلاقية الحاكمة للسلوك في المجتمعات الإسلامية، تراجع نفوذها وتأثير سلطانها على كثير من بقاع العالم التي شاع فيها التفريط في تعاليم الإسلام وكانت سقطة الأندلس أحد النماذج التي لا ينساها التاريخ الإسلامي بعد أن كان الإسلام متمكنا في ربوعها مئات السنين.
وقد ربط الإسلام بين القول والعمل كقيمة ثابتة في منظومة قيمه الأساسية. ولم يكتف بمجرد أداء العمل بل حض على تجويده وإتقانه والإحسان فيه تجسيدا ماديا لعبادة الله سبحانه، وبهذا تم الربط بين شعائر التعبّد وسلوك الحياة اليومية، ولا يقتصر الجزاء على المردود المادي في الحياة الدنيا بل يمتد الى الخلود في حياة طيبة في الآخرة {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(النحل­97)، وفي قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) «من أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفورًا له» (رواه ابن عساكر والطبرانى).
وإذا كان هناك من يفصل بين وجهي عملة الوقت (العمل والفراغ) ويعتبر الفراغ هو الوقت الفائض بعد خصم الوقت المخصص للعمل والنوم والضرورات الأخرى من الأربع والعشرين ساعة.
فإن المنظور الإسلامي يصل بين الفراغ والعمل، حيث إن تأدية الشعائر الإسلامية ليست مجرد ملء جزء من وقت الفراغ بل هي كتاب موقوت يلتحم بجوهر الوقت والعمل الخاص للاتصال بين العبد وربه، وهي أيضا تشغل قسطا معلوما من الوقت بالترويح عن النفس بغذاء ومدد روحي يتذوق فيه المؤمن حلاوة الإيمان، حيث تصفو النفس وتتجدد طاقة الإيمان ويتجدد كذلك الدافع الى العمل باعتباره شطرا من العبادة العملية للإيمان والامتثال للتكليف بالاستخلاف أي بالتنمية المستدامة بلغة العصر.

غاية الحياة وأزمة وقت الفراغ

فالوقت هو الحياة الذي تتجسد فيه نوعية حياة الإنسان، وبه تتمايز حضارات عن أخرى، ولقد نشأت مشكلة الفراغ عن انعدام الهدف من الحياة، فليست مشكلة وقت الفراغ أصيلة نابعة من فطرة الإنسان، وإنما هي مشكلة طارئة نابعة من جنس الحضارة المعاصرة، فالحضارات التي تعلي من القيم المادية والعملية تختلف عن غيرها التي ترفع من القيم الروحية والمعنوية، خاصة وثيقة الارتباط بالدين، ففي الأولى تعلو المصالح الدنيوية والمادية التي تخلو أغلبها من الاحتكام الى تعاليم فوقية ربانية، فتزداد الأثرة والأنانية على حساب الإيثار الذي عززه الإسلام، وفي الثانية وازن الإسلام بين مقاصد الدنيا والدين التي تهدف الى حفظ العقل والدين والنفس والمال والنسل، بوسطية تميّز بها الإسلام عن سائر الأديان السابقة عليه والمعتقدات الإنسانية أو البشرية.
وبالرغم مما هو شائع في الثقافات المادية الليبرالية (التحررية) من أن وقت الفراغ ملك خاص لأي إنسان له الحرية المطلقة في استغلاله أو هدره فإن الثقافة التي تعلي من شأن الروح والعقل بتوازن محمود مع الاحتياجات المادية، تجعل وقت الفراغ ينطوي تحت مسؤولية المقاصد الشرعية «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، «ولا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه» (رواه الترمذي). لذلك كانت الضرورة ملحة في أن يحاسب الإنسان المسلم نفسه، بقدر الإمكان، عن وقت فراغه تماما مثلما يحاسبها عن وقت عمله. ومن ثم كان مضمون النشاط الترويحى الذي يحتويه وعاء وقت فراغه يندرج أيضا في نطاق مسؤولية الاستخلاف أمام الله سبحانه وتعالى. لذلك أصبح من الضرورة بمكان ترشيد وقت الفراغ ومحتواه الترويحي بشكل متوازن يجمع بين راحة البدن والترويح عن النفس وتنويع النشاط العقلي بحيث يتحقق منه تجديد الطاقة والنشاط لاستئناف مسيرة العمل اليدوي أو الفني أو الذهني.

نوعيات الترويح

ويلاحظ على مدى المسار التاريخي كيف انقسمت نوعيات الترويح الى هادف وغير هادف والى ترويح تجاري وترويح موجّه اجتماعي ونفسي، ما ألزم المجتمعات المعاصرة بأن تخضع وقت الفراغ للدراسة والتمحيص والتخطيط، وذلك في إطار سياسات التنمية الاجتماعية وبرامجها، إذ إنه من دون ذلك يتحول مضمون وقت الفراغ الى عشوائيات من الأنشطة التي يغلب عليها الطابع التجاري الربحي فقط، من دون الالتزام بقيم ضابطة للسلوك الاجتماعي والتذوق الفني، وأمامنا نماذج متعددة يقود فيها الترويح التجاري الربحي فقط الى مهالك وانحرافات اجتماعية وجنائية، يتم فيها العدوان على أهم المقاصد لحفظ العقل والدين، ومن ثم تضخمت مشاكل المخدرات وتعاطي وإدمان الخمور وممارسة النماذج المستحدثة من القمار التي انتشرت في الفضائيات باسم مسابقات ساذجة ومصطنعة لكسب الآلاف من العملات النقدية نظير حصد الملايين من أثمان المكالمات الهاتفية مناصفة بين منظم المسابقات الوهمية الساذجة ومؤسسات الاتصال في مجالات الفن والغناء والأفلام وأيضا باسم الدين.

مؤسسات الترويح التجاري

إن مؤسسات الترويح التجاري غير المنضبطة هي الشائعة اليوم على مستوى العالم المعاصر والتي تغير نمطها في ظل ثقافة عولمة الرأسمالية المتوحشة الى بؤر لإهدار الوقت وإشاعة الفساد والعدوان المستمر بالاستيلاء على مردود التنمية، خاصة في دول العالم الثالث وانسياق الغالبية من شبابها للاستغراق في ممارسة أنشطة ترويحية شديدة الضرر للدين والعقل والنفس والمال.
مما يستهلك من رأس المال البشري والاجتماعي للشعوب، ويستنزف حصاد التنمية والتقدم.
إن بناء الحضارات وما أنتجته من اختراعات مادية وتكنولوجية وأعمال فكرية وأدبية وابتكارات فنية كان أغلبه على مدى التاريخ من نتاج عبقرية الفكر الإنساني خلال استثماره لوقت الفراغ أكثر من كونه ممارسات وقت انشغاله بالعمل والإنتاج للكسب والمعاش.
ففي الوقت الذي استثمر فيه علماء وفقهاء وفلاسفة الأمة الإسلامية وقت فراغهم تحت مظلة مفهوم الاستخلاف استطاعت الحضارة الإسلامية أن تزدهر بأعمالهم وكانت العتبة الوسطى التي انتقلت بها الحضارة الغربية الحديثة الى ما آلت إليه من إنجازات تسببت في سبقها للأمم في مجال العلم والاختراعات.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
المنظور الحضاري الاسلامي لوقت الفراغ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الترويح الرياضي :: الترحيب بالاعضاء الجدد-
انتقل الى: